من أسئلة الشباب التي وردتني:
أبو تركي : أنا على وشك التخرج من الثانوي، من القسم العلمي ولا أدري في أي الجامعات ألتحق.
هل ألتحق بالشريعة حيث العلم الشرعي، أم الهندسة حيث الوظيفة والراتب؟ أم المحاسبة أم .... أفدني حفظك الله.
الجواب:
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد
فاعلم أخي الغالي أن الناس يختلفون في رغباتهم وفي طاقاتهم. ويختلفون كذلك في وضعهم الاجتماعي والمادي ... الخ
وكثير من التربويين في هذه النقطة يركز على موضوع الموازنة بين الحاجة والرغبة. أي أن الشاب قد يكون له ميول في فن معين (اللغة العربية مثلا) لكن لا توجد وظائف وفرص عمل كثيرة بعد التخرج.
وكذلك العكس، فربما توجد وظائف وفرص عمل كثيرة في مجال ما لكنك لا تحب هذا المجال كالحاسب أو الفيزياء..
ولكن لي ملاحظة على هذا الكلام كله. وهو أنه لابد النظر أولا إلى العلاقة بيننا وبين الله تعالى، والنظر فيما يرضي ربنا سبحانه قبل النظر إلى الرغبات او الحاجات. لأن الله تعالى هو الرزاق ذو القوة المتين.
وأنبه كذلك إلى خطأ فادح عند كثير من الناس، وهو أن الشاب المتفوق في دراسته لابد أن يدخل طب أو هندسة، ولا يدخل الشريعة إلا المخفق أو غيره.
بل المفترض أن يكون العكس. فالعلم الشرعي يحتاج إلى نوابغ يحملون راية التحقيق وبعد النظر ودقة الفهم وقوة الحفظ ...الخ. وهذا هو الأصل ، فالعلم الشرعي هو العلم الذي يستحق أن يسمى علما. وانتبه أن تكون ممن قال الله فيهم {يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ }الروم7
وفي الحقيقة لابد أن يختلف الجواب عن هذه المسألة بحسب حال الشخص، فبإمكانك زيارتي أو أحد الشباب ممن سبقك في هذا المجال للنقاش حول ذلك.
ولكن عموما، إن لم يتيسر لك ذلك فأنا أنصح بما يلي:
أولا: إن كانت لك ميول شرعية فادخل كلية الشريعة ولا تتردد (يتبين ذلك من إشارات متعددة مثل: هل لديك همة للقراءة؟ وحفظ المتون؟ وحضور الدروس؟ والكلام الجاد؟ ...الخ)
المهم لا تدعي أنك طالب علم أو تريد أن تطلب العلم بسهولة، وتظن أنك ستدخل كلية الشريعة وتنام وتضيع وقتك مع الشباب والطلعات البرية، ثم قبل الاختبارات بأسبوع تأخذ مذكرات وتنجح، ثم تريد أن تكون كالإمام أحمد أو ابن تيمية . هيهات. بل قد يكون دخولك للشريعة له أثر عكسي.
ثانيا: إن لم تكن لك ميول لعلوم الشريعة فهذا خطأ بحد ذاته. فلا بد أن يكون لك أساس وزاد من العلم الشرعي ترفع به الجهل عن نفسك، وأما التبحر في العلم الشرعي فهذا أمر آخر.
ثالثا: إن لم تدخل كلية الشريعة، وكنت من المتفوقين فأنصحك بكلية الهندسة (من خلال تجربتي) فهي ممتعة وفرصها الوظيفية قد تكون أكثر من غيرها.
رابعا: لا يعني ذلك أني أذم الأقسام الأخرى، كلا. ولكن هذا يرجع كما سبق إلى اهتمامك ورغباتك وحاجة سوق العمل.
خامسا: لا يغب عن ذهنك أبدا سؤال "كيف سيكون ديني إذا دخلت هذه الكلية "
من الخطأ ادعاء أن المتخرج من كلية الشريعة سيكون ضعيف ماديا. فهذا أمر لا أحد يعلمه إلا الله. وأعرف شخصيا نماذج متعددة من أناس فتح الله عليهم لما تخرجوا من كلية الشريعة.
عموما ... الحديث ذو شجون والكلام كما ذكرت لك يحتاج إلى تفصيل أكثر، وهو يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال والأوقات.
{وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ }القصص68
والله أعلم